محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لمن قدر على الشخوص التخلف ، فعدد جل ثناؤه من تخلف منهم ، فأظهر نفاق من كان تخلفه منهم نفاقا وعذر من كان تخلفه لعذر ، وتاب على من كان تخلفه تفريطا من غير شك ولا ارتياب في أمر الله إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل . فأما التخلف عنه في حال استغنائه فلم يكن محظورا إذا لم يكن عن كراهته منه صلى الله عليه وسلم ذلك ، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم ، فليس بفرض على جميعهم النهوض معه إلا في حال حاجته إليهم لما لا بد للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم فيلزمهم حينئذ طاعته . وإذا كان ذلك معنى الآية لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخة للأخرى ، إذ لم تكن إحداهما نافية حكم الأخرى من كل وجوهه ، ولا جاء خبر يوجه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى . وقد بينا معنى المخمصة وأنها المجاعة بشواهده ، وذكرنا الرواية عمن قال ذلك في موضع غير هذا ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا . وأما النيل : فهو مصدر من قول القائل : نالني ينالني ، ونلت الشيء : فهو منيل ، وذلك إذا كنت تناله بيدك . وليس من التناول ، وذلك أن التناول من النوال ، يقال منه : نلت له أنول له من العطية . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : النيل مصدر من قول القائل : نالني بخير ينولني نوالا . وأنالني خيرا إنالة ؛ وقال : كأن الميل من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو . وليس ذلك بمعروف في كلام العرب ، بل من شأن العرب أن تصحح الواو من ذوات الواو إذا سكنت وانفتح ما قبلها ، كقولهم : القول ، والعول ، والحول ، ولو جاز ما قال لجاز القيل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ، وسائر ما ذكر ، ولا ينالون من عدو نيلا ، ولا ينفقون نفقة صغيرة في سبيل الله ، ولا يقطعون مع رسول الله في غزوه واديا إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك ، جزاء لهم عليه كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً الآية ، قال : ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ يقول تعالى ذكره : ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعا . وقد بينا معنى الكافة بشواهده وأقوال أهل التأويل فيه ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية وما النفر الذي كرهه لجميع المؤمنين ، فقال بعضهم : هو نفر كان من قوم كانوا بالبادية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون الناس الإسلام ، فلما نزل قوله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ انصرفوا عن البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه وممن عني بالآية . فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وكره انصراف جميعهم من البادية إلى المدينة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ قال : ناس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي ، فأصابوا من الناس معروفا ومن